سيف السنة
10-21-2008, 03:54 AM
ليس صحيحا إطلاقا القول إن التحرش الجنسي سببه الكبت, أو ضيق ذات اليد وتعذر الزواج, كما أنه من الخطأ أن نقول إن السبب هو انعدام الأمن في الشوارع. وبالمثل كيف نقتنع بأن السر هو في ارتداء البنات الملابس الضيقة أو القصيرة مادامت حتي النساء المحجبات أو المنتقبات لا تنجو منه؟.. أليس الأرجح انه نوع من الاستبداد الذكوري بالمرأة سوف يحتاج إلي مئات السنين قبل أن يختفي؟.
(1) نحن نعلم جميعا أن إسرائيل مثلا فيها حرية جنسية, وإباحية, ومن يشاء يستطيع أن يفعل ما يريد, بشرط واحد, أن تكون هناك موافقة وقبول من الطرفين.
فإذا كان الوضع كذلك, لماذا تورط الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كتساف في واقعة تحرش مع موظفة في مكتبه؟.. وقد ترتب عليها الحكم عليه بالسجن, ولذلك اضطر للاستقالة من منصبه.. ثم من ينسي قضية وزير الدفاع الأسبق اسحق موردخاي الذي صدر عليه حكم بالسجن بسبب قضية مماثلة؟
ربما يعتقد البعض أن إسرائيل بها جماعات دينية, وإذن ففيها قدر من التضييق علي خلق الله فيما يريدون!.. حسنا! ما رأيكم في أمريكا؟.. وما رأيكم في واقعة التحرش التي تورط فيها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عندما كان حاكما لولاية أركانسو مع بولا جونز واضطر لأن يدفع لها800 ألف دولار كتعويض لكي تتنازل عن رفع دعوي قضائية ضده؟.. ثم من ينسي غلاف مجلة التايم الأمريكية الذي يحمل صورة امرأة ليفتنانت جنرال في القوات الجوية الأمريكية وهي تحكي وقائع التحرش التي تعرضت لها شخصيا؟.
(2) هل يمكن أن نقول إن الكبت وضيق ذات اليد وانعدام الأمن وارتداء النساء والبنات ملابس قصيرة أو ضيقة هي السبب؟ أم أنه الجهل ونقص الخبرة وطيش الشباب وانعدام القانون هو السبب؟.. كل هذه الأسباب لا يمكن أن تكون تفسيرا لأي شيء.. ففي أشد المجتمعات تحررا وإباحية, يقع التحرش.. وقد يرتكبه أناس لا تنقصهم الخبرة, وسنوات العمر الطويل, والدراية الكافية بالقانون.
أضف إلي كل هذا, أنه إذا كانت الملابس, أو المكانة الاجتماعية, أو حتي السياسية تعصم دون هذا العمل, فكيف يمكن تفسير الوقائع السابقة؟ ثم إن الدراسات الاجتماعية في مصر والعالم أثبتت أنه حتي المحجبات أو المنتقبات لا ينجين من هذا العمل الشائن, ولا حتي في الأماكن المقدسة!.
القضية إذن هي في طبيعة النظرة إلي المرأة.. هل هي إنسان له حرية الاختيار والإرادة, أم أنها مجرد رقيق أبيض أو أمـة أو عبدة كل وظيفتها هي الاستجابة للرغبات الذكورية في أي مكان وأي وقت؟.
هذا هو الأصل, وبيت الداء الذي تندلع منه كل الشرور. فالصحيح ان دولا ومجتمعات كثيرة حول العالم تتحدث عن حرية المرأة, وحقوق الإنسان, ولكن الصواب أيضا أن هذه الحريات مازالت أمامها خطوات أكثر وأطول حتي تترسخ في سلوكيات البشر جميعا قبل أن نتوقع أن تأتي اللحظة التي تندر فيها مثل هذه الوقائع.
طبعا نحن لا نقول إن التحرش في مصر مثله في الحجم والانتشار كالتحرش في أمريكا أو إسرئيل, ولكن ما نقوله, إنه يقع في بلاد كثيرة وبغض النظر عن الملابس والحريات, والقدرات المادية.
ومن يستطيع أن يقول إننا يجب أن نضع شرطيا علي كل مواطن يسير في الشارع لكي لا يضايق شخصا آخر أو يتحرش به؟.. هذا مطلب لا يمكن تلبيته في أي بلد في العالم, علاوة علي أنه لن يسعد به أحد.. فمن منا يرضيه أن يري رجال الشرطة ينتشرون حوله في كل مكان؟.. فمثل هذا الوضع سيحول الناس جميعا إلي مشروع مجرمين يجب نشر الجنود من حولهم حتي يمكن القبض عليهم فورا لدي أقرب الهفوات التي قد يقدمون عليها.
(3) في عام2006 كان التفسير الذي استساغه الناس لواقعة التحرش الجنسي في وسط البلد, أن إحدي الراقصات, رقصت في الشارع, وأن هذا المشهد استثار الشباب, فما الذي استثار الشباب في هذه المرة؟.. خاصة أنه لم تكن هناك راقصة علي الإطلاق؟
ليس منطقيا أيضا القول إنها أزمة أخلاق أو دين.. فمما لا جدال فيه, أن الغالبية العظمي من الذين تورطوا في هذا العمل كانوا يصومون رمضان, ويتزاحمون علي المساجد طوال الشهر الفضيل, فهم إذن يعرفون ويعلمون أن ذلك خطأ, ولكنهم لم يصلوا بعد إلي حد الالتزام السلوكي بما يعرفون ويفهمون, باختصار, ان ما جري هو نوع من الاستبداد السلوكي الذكوري بالمرأة.
ومع انتشار الحرية والتحرر واليقين بأن لكل إنسان امرأة أو رجلا حرية وإرادة, يمكن أن نتوقع بدء انقراض هذه الظاهرة التي ستحتاج إلي سنوات طويلة جدا, لاتقل عن مئات السنين قبل أن تنتهي.
عن صحيفة الاهرام المصرية
12/10/2008
(1) نحن نعلم جميعا أن إسرائيل مثلا فيها حرية جنسية, وإباحية, ومن يشاء يستطيع أن يفعل ما يريد, بشرط واحد, أن تكون هناك موافقة وقبول من الطرفين.
فإذا كان الوضع كذلك, لماذا تورط الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كتساف في واقعة تحرش مع موظفة في مكتبه؟.. وقد ترتب عليها الحكم عليه بالسجن, ولذلك اضطر للاستقالة من منصبه.. ثم من ينسي قضية وزير الدفاع الأسبق اسحق موردخاي الذي صدر عليه حكم بالسجن بسبب قضية مماثلة؟
ربما يعتقد البعض أن إسرائيل بها جماعات دينية, وإذن ففيها قدر من التضييق علي خلق الله فيما يريدون!.. حسنا! ما رأيكم في أمريكا؟.. وما رأيكم في واقعة التحرش التي تورط فيها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عندما كان حاكما لولاية أركانسو مع بولا جونز واضطر لأن يدفع لها800 ألف دولار كتعويض لكي تتنازل عن رفع دعوي قضائية ضده؟.. ثم من ينسي غلاف مجلة التايم الأمريكية الذي يحمل صورة امرأة ليفتنانت جنرال في القوات الجوية الأمريكية وهي تحكي وقائع التحرش التي تعرضت لها شخصيا؟.
(2) هل يمكن أن نقول إن الكبت وضيق ذات اليد وانعدام الأمن وارتداء النساء والبنات ملابس قصيرة أو ضيقة هي السبب؟ أم أنه الجهل ونقص الخبرة وطيش الشباب وانعدام القانون هو السبب؟.. كل هذه الأسباب لا يمكن أن تكون تفسيرا لأي شيء.. ففي أشد المجتمعات تحررا وإباحية, يقع التحرش.. وقد يرتكبه أناس لا تنقصهم الخبرة, وسنوات العمر الطويل, والدراية الكافية بالقانون.
أضف إلي كل هذا, أنه إذا كانت الملابس, أو المكانة الاجتماعية, أو حتي السياسية تعصم دون هذا العمل, فكيف يمكن تفسير الوقائع السابقة؟ ثم إن الدراسات الاجتماعية في مصر والعالم أثبتت أنه حتي المحجبات أو المنتقبات لا ينجين من هذا العمل الشائن, ولا حتي في الأماكن المقدسة!.
القضية إذن هي في طبيعة النظرة إلي المرأة.. هل هي إنسان له حرية الاختيار والإرادة, أم أنها مجرد رقيق أبيض أو أمـة أو عبدة كل وظيفتها هي الاستجابة للرغبات الذكورية في أي مكان وأي وقت؟.
هذا هو الأصل, وبيت الداء الذي تندلع منه كل الشرور. فالصحيح ان دولا ومجتمعات كثيرة حول العالم تتحدث عن حرية المرأة, وحقوق الإنسان, ولكن الصواب أيضا أن هذه الحريات مازالت أمامها خطوات أكثر وأطول حتي تترسخ في سلوكيات البشر جميعا قبل أن نتوقع أن تأتي اللحظة التي تندر فيها مثل هذه الوقائع.
طبعا نحن لا نقول إن التحرش في مصر مثله في الحجم والانتشار كالتحرش في أمريكا أو إسرئيل, ولكن ما نقوله, إنه يقع في بلاد كثيرة وبغض النظر عن الملابس والحريات, والقدرات المادية.
ومن يستطيع أن يقول إننا يجب أن نضع شرطيا علي كل مواطن يسير في الشارع لكي لا يضايق شخصا آخر أو يتحرش به؟.. هذا مطلب لا يمكن تلبيته في أي بلد في العالم, علاوة علي أنه لن يسعد به أحد.. فمن منا يرضيه أن يري رجال الشرطة ينتشرون حوله في كل مكان؟.. فمثل هذا الوضع سيحول الناس جميعا إلي مشروع مجرمين يجب نشر الجنود من حولهم حتي يمكن القبض عليهم فورا لدي أقرب الهفوات التي قد يقدمون عليها.
(3) في عام2006 كان التفسير الذي استساغه الناس لواقعة التحرش الجنسي في وسط البلد, أن إحدي الراقصات, رقصت في الشارع, وأن هذا المشهد استثار الشباب, فما الذي استثار الشباب في هذه المرة؟.. خاصة أنه لم تكن هناك راقصة علي الإطلاق؟
ليس منطقيا أيضا القول إنها أزمة أخلاق أو دين.. فمما لا جدال فيه, أن الغالبية العظمي من الذين تورطوا في هذا العمل كانوا يصومون رمضان, ويتزاحمون علي المساجد طوال الشهر الفضيل, فهم إذن يعرفون ويعلمون أن ذلك خطأ, ولكنهم لم يصلوا بعد إلي حد الالتزام السلوكي بما يعرفون ويفهمون, باختصار, ان ما جري هو نوع من الاستبداد السلوكي الذكوري بالمرأة.
ومع انتشار الحرية والتحرر واليقين بأن لكل إنسان امرأة أو رجلا حرية وإرادة, يمكن أن نتوقع بدء انقراض هذه الظاهرة التي ستحتاج إلي سنوات طويلة جدا, لاتقل عن مئات السنين قبل أن تنتهي.
عن صحيفة الاهرام المصرية
12/10/2008